2016-9-29
View :100


سنحاولُ من خلال هذا المقال تسليط الضوء على بعض الموضوعات التي أثارها الكاتب المصري محمود أبو ريّة في كتابه (أضواء على السنّة المحمّدية – دار المعارف – ط 5)، والتي تتعلّق بأحاديث النبي الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله) وتدوين السنّة النبوية وحفظها وبينَ أحاديث تدعّي حرمة تدوين السنة.
وقد أكّد أبو رية في البداية على أهمية تعريف (السنة)، إذ يقول: نرى من الحق علينا قبل أن نتناول أطراف الحديث الذي أخذنا على أنفسنا القيام به أن نمهد بصدر صالح من القول في تعريف «السنة» لغة واصطلاحا وبيان حكم القولية منها التي هي أحاديث النبي، ومكانها من الدين؛ ثم نمضي في سبيلنا إن شاء الله، حيث عرفوا السنة لغة: بأنها الطريقة المعبدة، والسيرة المتبعة، أو المثال المتبع - وجمعها سنن، وذكروا أنها مأخوذة من قولهم: سن الماء إذا والى صبه؛ فشبهت العرب الطريقة المستقيمة بالماء المصبوب، فإنه لتوالى جريانه على نهج واحد يكون كالشيء الواحد (ص 38).
وسنة النبي طريقته التي كان يتحراها، وسنة الله تعالى قد تقال لطريقة حكمته وطريقة طاعته، نحو: «سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلاً»، «ولن تجد لسنة الله تحويلاً» (ص 39).
ويذكر أبو ريّة في كتابه ما يدعو له البعض بأن السنة القولية في الدرجة الثالثة من الدين، وأنها تلي السنة العملية، وهذه تلي القرآن في المرتبة، ذلك بأن القرآن قد جاء من طريق متواتر بحيث لا يتطرق إليه الشك، فهو من أجل ذلك مقطوع به جملة وتفصيلاً، أما السنة فقد جاءت من طريق غير متواتر، فهي مظنونة في تفصيلها، وإن كان مقطوعا بجملتها، وأما الذي هو في الدرجة الثانية من الدين فهو السنة العملية (ص 40).
ثمّ يقفُ أبو ريّة على موضوع (حكم كلام الرسول في الأمور الدنيوية) ويناقشه من منظاري السنة والشيعة، ويقول: هذا ما رأينا إيراده من كلام كبار الأئمة من حيث بيان درجة كلام الرسول في الأمور الدينية - أما كلامه صلوات الله عليه في الأمور الدنيوية فإنه كما قالوا من الآراء المحضة ويسميه العلماء» أمر إرشاد»، أي أن أمره (صلى الله عليه[واله] وسلم) في أي شيء من أمور الدنيا يسمى إرشادا - وهو يقابل» أمر التكليف».
ومن القواعد الأصولية أن العمل بأمر الإرشاد - لا يسمى واجبا ولا مندوبا، لأنه لا يقصد به القربة ولا فيه معنى التعبد!!، ومن المعلوم أنه: لا دليل على وجوب أو ندب إلا بدليل خاص، وما ذكره العلماء في ذلك إنما هو لأن الرسل غير معصومين في غير التبليغ!.
قالَ ابن عقيل في الإرشاد: إنهم عليهم السلام لم يعتصموا في الأفعال - بل في نفس الأداء ولا يجوز عليهم الكذب في الأقوال فيما يؤدونه عن الله تعالى، وهذا ينكره علماء الشيعة فإنهم أجمعوا على أن الأنبياء لا يخطئون ولا يعتريهم السهو والنسيان - وهم مجمعون على أنهم معصومون في الكبر والصغر حتى في أمور الدنيا (ص 42).
كما وأثار أبو ريّة موضوع حديث يروونه ليجعلوا كل الأحاديث من وحي الله كالقرآن الكريم، وهذا الحديث هو: «ألا وإني أوتيت الكتاب ومثله معه»، وفي رواية:» ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه».
وهذا الحديث كما يصرّح أبو ريّة من أغرب ما قذفته الرواية في سيلها! لأن النبي إذا كان قد أوتي مثل «الكتاب» أو «مثل القرآن» فمعنى ذلك أنه قد أوتي ذلك ليكون تماما على القرآن وإكمالا له لبيان دينه وشريعته - وإذا كان الأمر كذلك فلم لم يعن النبي بكتابة هذا» المثل» في حياته، عندما تلقاه عن ربه، كما عني بكتابة القرآن؟ ولم لم يجعل له كتابا يقيدونه عند نزوله، كما جعل للقرآن كتابا؟ ولم اقتصر في النهي عن كتابة غير القرآن وأغفل هذا المثل فقال: «لا تكتبوا عني شيئا غير القرآن» ولم يقل - وغير ما أوتيته معه وهو «مثله!».
وهنا يجوز لسائل أن يسأل: هل يصح أن يدع النبي نصف ما أوحاه الله إليه يغدو بين الأذهان بغير قيد، يمسكه هذا، وينساه ذاك، ويتزيد فيه ذلك! مما يصيب غير المدون في كتاب محفوظ؟ وهل يكون الرسول بعمله هذا قد بلغ الرسالة على وجهها، وأدى الأمانة كاملة إلى أهلها! ! وأين كان هذا الحديث عندما قال النبي في مرضه الأخير الذي انقلب بعده إلى ربه، وبعد أن نزلت الآية: « اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الإسلام دينا»: إني والله ما تمسّكوا علي بشيء، إني لم أحل إلا ما أحل القرآن، ولم أحرم إلا ما حرم القرآن، ثم أين كان هذا الحديث عندما قال أبو بكر للناس: بيننا وبينكم كتاب الله فاستحلوا حلاله وحرموا حرامه!
وعندما قال عمر عندما طلب النبي (صلى الله عليه[واله] وسلم) وهو يحتضر أن يكتب للناس كتابا لن يضلوا بعده: حسبنا كتاب الله!
ولِمَ لم يشفق عمر من ضياع هذا» المثل»، وهو بزعمهم نصف ما أوحى الله به إلى النبي، فيذكره لأبي بكر عندما فزع إليه في أن يجمع القرآن ويكتبه بعد وقعة اليمامة؟!
ثم أين كان هذا المثل عندما أجابت عائشة في خلق النبي، إذ كان عليها أن تقول كان خلقه القرآن ومثله معه؟ ولكنها اكتفت بقولها: كان خلقه القرآن!
وأين ذهبت عناية الصحابة بهذا» المثل» فلم يكتبوه كما كتبوا القرآن في زمن أبي بكر وعندما نسخ في عهد عثمان ووزعت نسخه على الأمصار؟، إلا إنهم بإهمالهم هذا الأمر الخطير إنما يكونون قد تركوا «نصف الوحي» بغير تدوين، ويصبحون بذلك جميعاً من الآثمين! (43).