2015-10-9
View :639

بقلم : السيد مهدي الجابري


 


المعاد أصلٌ ثابت من أصول الإعتقاد، مُقترنٌ بالتوحيد والنبوة, لذا صارَ الإيمان بالله وبرسله وكتبه داعياً إلى ضرورة الإيمان به، وكذلك الإيمان بالوعد الإلهي ثواباً ووعيده عقاباً, داعياً إلى الإيمان به, فالوعد والوعيد من لوازم التكليف, بمعنى أنّ الأنسان عند بلوغه سن التكليف فأنّه يُثاب على عمله إنْ أحسن , ويُعاقب عليه إنْ أساء , فالإيمان بأنّ الله سبحانه يُثيب الناس على حُسنِ أعمالهم ويعاقبهم على السيئ منها, يستدعي الإيمان بالمعاد الجسماني  إذ هو محلُّ الثواب والعقاب.
 وجاء القرآن ليكشف عن هذا التلازم الأكيد في نصوصٍ كثيرةٍ، ومن أكثرها وضوحاً قولهُ تعالى : { أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ } (سورة المؤمنون 115).
وقد أُثيرت عدّة إشكالات حول إمكان عودة الجسد البشري  بعد تفسخه في الأرض, وإختلاط ذراته في التراب, وقد عالجها القران الكريم منذ عصر نزوله بطرح البراهين الحسية , كما في قوله تعالى : { وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ } (سورة يس 78 - 79)
وفي حقب كثيرة أطلع الله عزّ وجلّ البشرية على مصاديق حيّة لهذا الإحياء والإعادة بعد الفناء والتفسّخ ، وهو كثيرٌ في قصص أنبياء بني إسرائيل, هؤلاء القوم الذين كانوا أكثر الأمم لجاجةً وأبعدهم عن المنطق السليم.
تحدّث القرآن الكريم وفي عدّة مواضع مشيراً إلى مسألة المعاد الجسماني, ومن تلك المواضع التي تناولها القرآن الكريم حادثة «عُزير» النبّي, العبد الصالح الذي كان يتمتع بمقام النبوّة , حيث تُشير الوثائق التأريخية أنّه خرج من منزله يوماُ قاصداُ إلى سفرٍ بعيد, وخلال سفره مرَّ بقريةٍ قد أصابتها حوادثُ الطبيعة بالخراب والهدم, فتلاشت وذهب أهلها وأصبحوا عظاماً و رميماُ بعد أنْ تفرقت أجسادهم واختلطت في التراب وأجواف الحيوانات. وهذه القصة التي وردتْ في القرآن الكريم , جاءت لتُعالج ما يمكن أنْ يكون إستبعاداً للمعاد الجسماني, وإثباته بشكلٍ قاطعٍ .
وبعبارة أوضح : إنَّ هذه القصة القرآنية هي بمثابة الردّ على من يشكّك في المعاد الجسماني .
لقد صوّر القرآن الكريم مقطعاً من القصة بقوله تعالى: { أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا} (سورة البقرة 259), فعندما مرّ «عزير النبّي» بتلك القرية و تأخر فيها برهة من الزمن راح يُفكر ويتأمل في وضعها المؤسف, وفي الكوارث التي عصفت بها فجعلتها قاعا صفصفا, فانقدح في ذهنه هذا التساؤل المصحوب بالتّعجب: { أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِهَا } (سورة البقرة 259), هذا, مع أنّ «عزير» يؤمن بالمعاد الجسماني, وله درايّة ومعرفة بأنّ الله عزّ وجلّ قادرٌ على إحياء من أماتهم ,لكنّه أراد إحراز درجة «حق اليقين» في الإيمان و الإعتقاد .
ويستمر القرآن في سرد قصة «عزير», فيقول تعالى: { فَأَمَاتَهُ اللهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ } (سورة البقرة 259), بعد أنْ كان جالساً  إلى جنب ماءٍ وإلى جانبه حماره, فأماته الله مع حماره, ولمّا أحياه الله سبحانه وتعالى, سأله: { كَمْ لَبِثْتَ } ؟  فأجابه قائلاً: { لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ }, فأجابه الله تعالى : { بَلْ لَبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ }. ثم جاءه الخطاب : { فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا } (سورة البقرة 259) , وما أنْ نظر «عزير» إلى حماره كيف يحيه الله تعالى بعد مائة عامٍ مضتْ على موته , وتأمل المشهد برمته, قال, كما جاء حكاية عن لسانه في القرآن : (اعلم ان الله على كل شيء قدير ). فأحداث هذه القصة القرآنية جاءت لتُثبت المعاد الجسماني بشكلٍ قطعيٍ لا إشكال فيه ولا شبّهة تعتريه.