الأربعاء 8 ربيع الاول 1444 هجري
5 / تشرين الأول - أكتوبر / 2022 ميلادي
2014-5-12
View :800




 



نعيش هذه الأيام ذكرى ولادة الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء (عليها السلام) أم الأئمة الأطهار (عليهم السلام)، هذه المرأة العظيمة التي وردت بحقها الكثير من الأحاديث والروايات التي تبين فضلها وكرامتها عند الله تعالى، فقد كانت  أحد الخمسة أصحاب الكساء الذين لم يخلق الله (سبحانه وتعالى) شيئا من السماوات والأرضين ومنذ آدم وحتى الآن إلا من أجلهم، محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين.



فكيف يمكن ان نتصور ان كل هذا الكون وحتى قيام الساعة هو من اجل هذه الجماعة الصالحة المحدودة الصغيرة؟، ولكن يمكن أن نفهم ذلك من خلال الآيات القرآنية واستنباط ذلك، حيث يقول تعالى في سورة (الجاثية/ 13): ((وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)، فالله تعالى سخر كل شيء في الكون من اجل الانسان، ويقول (عز وجل): (وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون)، فالله تعالى خلق الانسان من اجل عبادته، ونستنتج ان الله تعالى خلق الكون – بما فيه الانسان وغيره - لكي يوجد المخلوق العابد الذي يعبده ويخلص له.



واذا اضفنا الى ذلك ان افضل المخلوقين الذين اتصفوا بأعلى مراتب العبودية الخالصة هم محمد وآل محمد (عليهم السلام)، فهنا يتضح ونفهم كيف ان الله تعالى خلق هذا الكون والوجود من اجل تحقيق وايجاد المثل الأعلى من العبودية وهم أهل البيت ومنهم الصديقة الزهراء (عليها السلام).



لقد كانت محبة رسول الله (صلى الله عليه وآله) لابنته فاطمة (عليها السلام) ملفتة لأنظار المسلمين وتبعث على السؤال خصوصاً وانه وردت في حقها أحاديث تحيّر الألباب والعقول، حيث يقول النبي الأكرم (عليه الصلاة والسلام): (واما ابنتي فاطمة فإنها سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين، وهي بَضعة مني، وهي نور عيني، وهي ثمرة فؤادي، وهي روحي التي بين جنبيّ، وهي الحوراء الإنسية.....)، وعندما نتحدث عن هذه المرأة العظيمة وسيدة النساء في كل زمان ومكان فلقد توفّرت فيها مقومات الكمال التي لم تتوفر لبقية النساء من سيدات النساء مثل مريم وآسيا وخديجة، فبعض النساء يتوفر لهن وينهضنَ بدور مهم في جانب من الجوانب المهمة في الكمال الانساني؛ كالعبادة وجهاد النفس والقيام بالأعمال الصالحة، وبعضٌ لهنَّ دور مهم في تكوين الأسرة القوية الصالحة، وبعضٌ لهنّ دور مهم في التضحية والفداء، ولكن الجمع بين هذه الادوار تجسّد في الزهراء فاطمة (عليها السلام) وهو أمر بالغ الصعوبة.



فالزهراء (عليها السلام) تمثّل الزوجة الصالحة والمثالية في أداء دورها الأسري؛ فهي تؤدي واجبات الزوج والواجبات البيتية ودورها مع أولادها، وكذلك دورها الرسالي مع علي (عليه السلام) سيد الاوصياء، وهي المدرسة التي صنعت الإمامة من خلال دورها مع ولديها الإمامين الحسن والحسين (عليهما السلام)، إضافة إلى أنها تلك المرأة الصالحة الفاضلة والمجاهدة المدافعة عن مبادئها، وهي الأم والزوجة المثالية، فضلاً عن أنّها منحت لأبيها كامل الرعاية والحنان حتّى سمّيت بـ(أمِّ أبيها).



وقد ضربت في الجانب العلمي المثل الأعلى، حيث دوّنت (عليها السلام) كل ما يصل اليها من رسول الله (صلى الله عليه وآله) في المجالس الخاصة، حتى أنه (عليه الصلاة والسلام) كان يجلس إليها كثيراً ويتحدث معها عن الأوضاع المستقبلية وما سيجري للمسلمين وما يتعلق بالأحكام الشرعية وتفسير القرآن الكريم، وقد دونت كلَّ ذلك في مصحفها الذي يعرف بـ (مصحف فاطمة) الذي يتضمّن هذه الأمور من مبادئ الإسلام، ومن هنا كانت السيدة فاطمة (عليها السلام) منبعاً من المنابع الصافية التي يمكن ان تُؤخذ منها الشريعة؛ لأنّها تلقت تفسير القرآن الكريم من النبيّ (صلى الله عليه وآله) بصورةٍ مباشرة، كما تلقى ذلك زوجها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام).



دورها في حفظ الإسلام:



على الرغم من ان الزهراء (عليها السلام) كانت ابنة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وزوجة علي (عليه السلام) وسيدة نساء العالمين وأطهرهنّ وتمثلت فيها كل جهات الكمال؛ لكنّها لم تتخلَ عن القيام بمسؤولياتِها من مواجهة الانحراف في الخطّ العام ومواجهة الظلم الذي مرّ على خطّ الإمامة متمثلا ًبالانحراف عن خطّ الإمامة والظلم الذي وقع على أمير المؤمنين (عليه السلام) وتحملت كلّ المحن والآلام والأذى لتجسد الموقف الأساسي للإسلام في الدفاع عن الخطّ الإسلامي الأصيل المتمثّل بإمامة أهل البيت (عليهم السلام)، وكان من الممكن لولا دور فاطمة الذي كان مكمّلا ً لدور عليّ (عليه السلام) لتشوّه خط الإمامة وتغيّر عن مساره الصحيح وكان من الممكن اختفاء هذه الحقيقة (الإمامة) التي حفظت الإسلام والحقائق الإسلامية ولقد كان دورها بداية وانطلاقة لدور الإمام الحسين (عليه السلام) وزينب (عليها السلام).



الدور الاسري الكامل:



يرى الإسلام إنّه لا يكون بناء المجتمع الصالح من دون بناء الأسرة الصالحة ولذلك نرى الإسلام يؤكّد على أهمية دور الأسرة في المجتمع، وقوة الأسرة وصلاحها وتماسكها وتكاملها واتصافها بالصفات المطلوبة هو الذي يحقّق ذلك.



وقد توفّرت في الزهراء (عليها السلام) عناصر بناء هذه الاسرة الصالحة ما لم تتوفر في غيرها من النساء الكاملات، فمريم ابنة عمران لم تتوفر لها ظروف أسرة كاملة وعندما لم تتوفر لآسيا زوجة فرعون ظروف اسرة كاملة وصالحة في وقتها فهي وان كانت زوجة لكن لم يكن لديها أولاد وكانت زوجة طاغية مستبد، وكذلك السيدة خديجة (عليها السلام) كان لها دور في الجانب الأسري فهي زوجة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وام ذريته وأمّ الزهراء؛ وكانت تشبهها من هذه الناحية؛ لكنّ الزهراء (عليها السلام) امتازت عنها في طبيعة الأدوار الاخرى ومنها ما كان مع أبيها ومنها ما كان مع زوجها ودفاعها عن خطّ الإمامة.


 



  • مستقاةٌ من الخطبة الأولى لصلاة الجمعة بإمامة الشيخ عبد المهدي الكربلائي في 18/ج2/1435هـ الموافق 18/4/2014م