السبت 16 ربيع الاول 1443 هجري
23 / تشرين الأول - أكتوبر / 2021 ميلادي
2014-7-6
View :222



إنَّ شدّة يقين المتقين وتأثرهم العميق بالقرآن الكريم جعلهم يتجاوزون الوجود اللفظي للقرآن على الألسنة، والوجود الذهني للمعاني في العقول والافهام، إلى الوجود الحقيقي في قلب الحقائق كما يقول الإمام الصادق: «فهم والجنّة كمن قد رآها فهم فيها منعّمون وهم والنار كمن قد رآها فهم فيها معذّبون»، فصاروا في مقام الرّجاء والشوق إلى الثواب وقوّة اليقين بحقائق وعده سبحانه بمنزلة من رأى بحسّ بصره الجنّة وسعادتها، فتنعّموا فيها والتذّوا بلذائذها، وفي مقام الخوف من النار والعقاب وكمال اليقين بحقائق وعيده تعالى بمنزلة من شاهد النار وشقاوتها فتعذّبوا بعذابها وتألّموا بآلامها، «فإذا مرّوا بآية فيها تشويق» إلى الجنّة «ركنوا» مالوا واشتاقوا «إليها طمعا وتطلعت» أشرفت «نفوسهم إليها شوقاً وظنّوا أنّها نصب أعينهم» فأيقنوا أنّ تلك الجنة الموعودة معدّة لهم حتى صارت كأنها نصب أعينهم. «وإذا مرّوا بآية فيها تخويف» وتحذير من النار «أصغوا» وأمالوا «إليها مسامع قلوبهم وظنّوا أنّ زفير جهنّم وشهيقها» وصوت توقدها «في أصول آذانهم».
وقد روي في الكافي عن إسحاق بن عمّار قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) صلّى بالناس الصبح فنظر إلى شاب في المسجد وهو يخفق ويهوي برأسه مصفر لونه قد نحف جسمه وغارت عيناه في رأسه، فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله):
كيف أصبحت يا فلان؟ قال: أصبحت يا رسول الله موقناً، فعجب رسول الله (صلى الله عليه وآله) من قوله، وقال: إنّ لكلّ يقين حقيقة فما حقيقة يقينك؟ فقال: إنّ يقيني يا رسول الله هو الذي أحزنني وأسهر ليلي وأظمأ هواجري فعزفت نفسي عن الدنيا وما فيها، حتى كأنّي أنظر إلى عرش ربي وقد نصب للحساب وحشر الخلائق لذلك وأنا فيهم، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتنعّمون في الجنة ويتعارفون على الأرائك يتكئون، وكأني أنظر إلى أهل النار وهم فيها معذّبون مصطرخون، وكأني الآن أسمع زفير النار يدور في مسامعي، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): هذا عبد نوّر الله قلبه بالإيمان ثمّ قال (صلى الله عليه وآله) له: إلزم ما أنت عليه، فقال الشاب: ادع الله لي يا رسول الله أن ارزق الشهادة معك، فدعا له رسول الله (صلى الله عليه وآله) فلم يلبث أن خرج في بعض غزوات النبي فاستشهد بعد تسعة نفر وكان هو العاشر.