السبت 16 ربيع الاول 1443 هجري
23 / تشرين الأول - أكتوبر / 2021 ميلادي
2014-7-19
View :295

اعداد: الشيخ احمد الحائري الاسدي


رسالة من السيد البانديت وياس ديومسرا استاذ في التدوين القانوني في الهند، نقلها إلى العربية آية الله الشهيد السيد محمد صادق القزويني الحائري.


ان العالم يفنى ، واهل العالم يفنون، وكل ما في الكون مصيره الفناء، وليس لهذه النشأة ولا لما في هذا العالم دوام وبقاء وخلود.
مهما كان جنسه ونوعه ، سواء كان حرثاً ومتاعاً أم داراً وعقاراً ام بساتين واشجاراً ، وسواء كان غنياً ام فقيراً ، ام سلطاناً ام رعية فمصير الجميع الى الزوال والفناء وحتى الحوادث التاريخية التي تحدث في هذا العالم ستندرس وتمحى ولا يبقى لها اثر ولا ذكر.
وكل فرد من افراد هذه النشأة وكل شخص من الاشخاص سواء كان ملكاً ام غيره ، او قائداً او زعيماً اذا حل به الموت وفارق الحياة يندرس ذكره بمر السنين فان كان من الصلحاء فسيبقى ذكره مخلداً ، وان لم يكن كذلك او كان من الاشقياء فبموته يندرس ذكره على وهذا الاساس قضى ناموس الطبيعة وجرت السنة على ذلك فلو ان احداً رام ان يغير هذا الناموس او يبدل هذه السنة لما استطاع ذلك فما دامت الدنيا باقية ، تحدث هذه التغييرات والتبدلات في العلم، ونحن ايضاً تبعاً لتغير الاوضاع والاحوال نتغير ونتبدل، فلا يبقى شيء على حاله ، والعالم دائماً في التطور فعسى ولعل القصور الشامخة والبنايات الفخمة التي نشاهدها اليوم المزودة بجميع وسائل العيش والراحة والترف ان تصبح عن قريب خربة مهجورة وتغدو الحدائق النضرة المشحونة بالأوراد والأزهار قفاراً ممحلة، فلا ترى لتلك القصور وتلك الحدائق أثراً ولا رسماً ..
فليس للتطور والتحول وقت معلوم ولا يدري أحد ماذا خبأ له الدهر ومتى يرميه بسهامه بينما ترى الإنسان متنعماً وممتعاً باللذات والشهوات وإذا به فارق الدنيا وفارق الأهل والأولاد والعيال والأحبة والأصدقاء ، وبينما ترى الأمصار والمدن والعواصم عامرة مأهولة وإذا ها قد اصبحت قاعاً صفصفاً ، وكذلك ترى الديار عامرة بساكنيها واذا بها خالية من اهلها، فالأخ يفارق اخاه ، والابن يفارق أباه، والزوجة تصبح ارملة والام تصبح ثكلى بولدها ، فينقلب الضحك والمرح بالبكاء والحزن وتنقلب العافية بالبلاء والسعادة بالشقاء، كل موجود كتب عليه الفناء ، وأكبر الأدلة على الفناء هو الوجود.
ان جميع الحيوانات مصيرها الفناء وكذلك السماوات والكواكب والأفلاك والأجرام السماوية والأرضون بما فيها من الكائنات تتفسخ وتتلاشى وتضمحل.
يتجول ملك الموت في جوانب العالم لقبض الارواح ، فلا يبقى ذو روح أبداً حتى ان ملك الموت يذوق طعم الموت ولا يبقى إلا الله الواحد القهار الذي هو واجب الوجود.
فليس لأحد الخلود بعد انقراض هذا العالم إلاّ الله ولمن تحمل تلك الكوارث والمصائب والرزايا والمحن التي يتضعضع ويهتز منها العرش، والذي فاق العالم في الصبر والإباء وتحمل الضيم والعطش، وابهر القادة والزعماء، وحير اولى الألباب بثباته وصبره وعزمه وهد أركان العالم.
ألا ذاك هو (الإمام) ابن رسول الله وحبيب الله، وروح يد الله ، وفلذة كبد رسول الله ، واخو الحسن المجتبى (الحسين (عليه السلام) ) الحسين الذي هو للمسلمين مشعل الهداية، ولغيرهم من الامم مصباح المعرفة، ولأهل العالم جميعاً أس الإيمان.
كيف لا يكون الحسين (عليه السلام) ، كذلك وقد أخذ العالم طريق الانهيار والتدهور وتفسخت الاخلاق الى اقصى درجة التفسخ ، وشاع في الناس شرب الخمر واستعمال المسكرات وفشى فيهم الظلم والجور، وساد الفوضى والاستبداد، اسم الانسانية كان يطلق على السفاكين الماجنين، اذا نطق احد بالحق ودافع عن الحق قتل، لو نهى احد عن المنكر وصد الناس عن شرب الخمر قضي على حياته اذا نهض احد للذب عن الدين فجع بأهله وعياله.
استولى الباطل على الحق بحيث كان الصلحاء يعيشون فيما بين الامة ولم يستطع احد منهم مكافحة الباطل وانكار المنكرات وصد المحرمات.
اما الحسين بن علي (عليهما السلام) ، الذي هو مجسمة الأيمان والحق ومثال العدل والتقوى قابل تلك الدولة الغاشمة الجائرة التي هي مجسمة الباطل وحارب تلك السلطة الكافرة بنفسه وبأهله وذويه وأطفاله ونسائه.
لم يأت الحسين لمحاربة الكفر والفساد وحده فحسب بل جاء بما عنده من أهل وعشيرة واولاد وعيال، جاء بمن خلف عليا وفاطمة (عليهما السلام) ، وقدم الجميع فداء للدين وضحى بهم جميعاً في سبيل دين جده.
اراد الحسين (عليه السلام) ان يعلن للعالم انه انما جاء الى العراق للحماية وللذب عن شيء خطير نفيس يهون عليه تضحية الاولاد والأخوة في سبيله ويهون عليه تضحية الرضيع وتضحية الأهل والعيال بأن يصبحن أرامل في سبيله وتضحية ما لديه من الأثاث والأموال والثقل لتعريضها للنهب والحرق والسلب ، فيهون على الحسين تضحية ذلك كله وغض النظر عن جميع ذلك في سبيل الإسلام وفي سبيل حفظ الدين من الاندراس، لكنه لا يهون على الحسين (عليه السلام) ، ان يقف مكتوف اليد وينظر ويرى دين جده المصطفى معرضاً للخطر ويرى مشعل الإيمان معرضاً للخطر ويرى مشعل الايمان معرضاً للاعاصير.
لأن هذا المشعل هو المشعل الذي أوقده رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، في بيت الله ، هذا هو المشعل الذي اعتصم بسيف امير المؤمنين (ذي الفقار)واعتصم بعصمة فاطمة الزهراء (عليها السلام) وأنار العالم حتى صار كالقمر النير.
هذا المشعل هو المشعل الذي صارت شهادة الحسين سبباً لبقائه ومانعة من انطفائه، ان هذا المشعل هو وديعة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، بيد الحسين (عليه السلام) ، وقد استولى ظلام الكفر وقيام الباطل وهبت رياح الباطل في كل مكان وكاد ان ينخمد ذلك المشعل من جراء أعاصير الظلم والفساد والكفر والطغيان.
واما الحسين (عليه السلام) فقد اراد ان يحفظ هذا المشعل من الانخماد فضحى بنفسه وبأولاده ، ضحى بحياته وثقله ، ضحى بعياله ونسائه وعرضهن للأسر والسبي.
لأن الحسين (عليه السلام) كان يتذكر دوماً قول جده (حسين مني وانا من حسين).
أما حسين مني فمعناه واضح اذ انه سبط رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، واما قوله : انا من حسين فلعل ان يكون مراده (صلى الله عليه وآله وسلم) ان احياء اسمي وتخليد ذكرى يكون من الحسين ، ولذا قال (صلى الله عليه وآله وسلم) ، انا من حسين ... ، وهذا هو السبب الذي حدا بالحسين ان يستصحب معه جميع ولده وجميع ما عنده ، ويقدمهم فداءً للدين في عرصة كربلاء، ليعلم الناس ان هدف الحسين هدف عظيم.
ومن المعلوم ان نسبة حماة الباطل الذين قابلوا اصحاب الحسين وانصاره وعددهم ضئيل جداً كنسبة اهل النار في يوم القيامة بالنسبة الى اهل الجنة، فكان في اصحاب الحسين وفئته القليلة مثل حبيب بن مظاهر الضعيف الطاعن في السن، ومثل علي الأصغر الرضيع وأمثال هذين يعدون من جنود الحسين ، ان الحسين بن علي (عليهما السلام) قرب وضحى بابن اخيه القاسم وبأخيه العباس بن علي في سبيل الحق وقد علم ان هؤلاء الذين يحاربونه هم من امة جده (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ولعلهم اذا رأوا شبيه رسول الله علياً الأكبر ترق له قلوبهم، لذلك ارسل اليهم شبيه رسول الله علياً الأكبر ولكن القوم لم يتذكروا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ولم يرجعوا عن غيهم وضلالهم الى طريق الحق ولم يراعوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بل انهم عمدوا الى سفك دم شبيه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقضوا على حياته ولم يكتف القوم بذلك بل انهم احرقوا الخيم وانتزعوا القرط من آذان البنات وأسّروا العيال وصفدوهن بالحديد..
ان الحسين (عليه السلام) قد اعرض في سويعات قلائل عما كان يملكه وعرضها للنهب والسلب، ان الحسين (عليه السلام) انما جاء للاستشهاد في سبيل الحق، وأكمل هدفه الذي جاء لإنجازه وأبان للعالم وأظهر طريق التضحية في سبيل الحق والدفاع عن الحق.
ولا يوجد للحسين مثيل في أي قوم اوشعب اوأمة ..
ان الحسين (عليه السلام) علم المصلحين طريقة الدفاع عن الحق والجهاد في سبيل الحق وأعلن بجهاده وتضحياته ان المؤمن الموفق لا يبالي بالموت، ولا يحس بالأمل من ضربات السيوف..
ان هذه الفاجعة العظمى هي التي صبغت التاريخ الاسلامي وهي من اهم الدعايات الاسلامية واننا واثقون ان العالم سوف يتخذ درساً وعبرة من واقعة كربلاْ، وانه سيأتي عصر وزمان في المستقبل.
ان الناس كلهم يصيرون حسينيين وسوف يكون دين الكل دين الحسين (عليه السلام) ، ديناً عالمياً عند ذاك يرتفع عن الناس جميعاً الظلم والجور والفساد وترتفع الفتنة والشحناء والبغضاء..