2015-1-29
View :2455

الخطبة الاولى لصلاة الجمعة بإمامة الشيخ عبد المهدي الكربلائي في 2/ربيع الثاني/1436هـ الموافق 23/1/2015م :


مقاطع من رسالة الامام الصادق (عليه السلام) الى شيعته ومواليه ..
(وعليكم بالصمت إلا فيما ينفعكم الله به من أمر  آخرتكم ويأجركم عليه وأكثروا من التهليل والتقديس والتسبيح والثناء على الله والتضرع إليه والرغبة فيما عنده من الخير الذي لا يقدر قدره ولا يبلغ كنهه أحد فاشغلوا ألسنتكم بذلك عما نهى الله عنه من أقاويل الباطل التى تعقب أهلها خلودا في النار من مات عليها ولم يتب إلى الله ولم ينزع عنها).
(وعليكم بالصمت إلا فيما ينفعكم الله به من أمر  آخرتكم...)
ورد عن الرسول الاكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) في فضيلة الصمت : (الصمت عبادة لمن ذكر الله..)
امر الامام الصادق (عليه السلام) شيعته بأمرين :
-    كف الألسن عن الحرام
-    التزام الصمت
فلا يتكلمون الا بما يعود بالنفع لاخرتهم وذلك يشمل الفوائد الدنيوية ولكن ينبغي النظر اليها في إطار الآخرة..
والسكوت بحد ذاته امر محمود ولو في بعض المواضع يصبح الكلام واجباً او مستحباً او مستحسناً ويرجح حينئذ على السكوت.. كما في موارد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حيث يكون الكلام فرضاً لازماً او الحديث في بعض المواضيع العلمية النافعة..
(إلا فيما ينفعكم الله به من أمر  آخرتكم ويأجركم عليه)
أي مثل الامر بالمعروف والنهي عن المنكر والوعظ والنصيحة وارشاد الخلق ونحو ذلك فانه يكون راجحاً وقد يكون واجباً ، ولما أمر بالتكلم بالنافع اجمالاً أشار الى بعضه تفصيلا ً بقوله : (واكثروا من التهليل....) وهو قول لا اله الا الله .
(والتقديس والتسبيح...) وهما التطهير والتنزيه عن العيوب والنقائص..
وقد يكون السكوت واجباً كما لو كان الكلام فيه حرمة..
ويدل على فضل لزوم الصمت ان الكلام على اربعة اقسام :
1-    ضرر محض  2- نفع محض 3- فيه ضرر ومنفعة     4- ليس فيه ضرر ولا منفعة
اما الذي هو ضرر محض فلابد من السكوت عنه وكذلك الذي ليس فيه ضرر ومنفعة .. واما ما لا منفعة فيه ولا ضرر فهو فضول والاشتغال به تضييع زمان وهو عين الخسران فلا يتبقى الاّ الرابع ومن هنا فقد سقط ثلاثة ارباع الكلام وبقي ربع وهذا الربع فيه خطر اذا امتزج بما فيه إثم من دقائق الرياء والتصنع والغيبة..
وبتعبير آخر امر الامام الصادق (عليه السلام) شيعته ان يكون لسان الواحد منهم لسان خير وهو اللسان الذي لا ينطق الا بالخير وبذكر الله عزوجل وشكره على نعمه الكثيرة وهو الذي يعظ الناس وينصحهم ويحل مشاكلهم ويساهم في اصلاح المجتمع..ونهاهم عن ان يكون لسانهم لسان شر فلا يذكر الله عزوجل ولا يشكره ويغتاب الناس ويتكلم بالنميمة والبهتان والافتراء والطعن في اعراض الناس.
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : وهل يُكبُّ الناس في النار الا حصائد السنتهم.
متى يكون الكلام أفضل ومتى يكون الصمت أفضل ؟
سُئِل الامام زين العابدين (عليه السلام) عن الكلام والسكوت أيهما أفضل ؟
فقال : لكل واحد منهما آفات ، فاذا سلما من الآفات فالكلام أفضل من السكوت ، قيل كيف ذلك يا بن رسول الله ؟ قال : لأن الله عزوجل ما بعث الانبياء والاوصياء بالسكوت، انما بعثهم بالكلام، ولا استحقت الجنة بالسكوت، ولا استوجبت ولاية الله بالسكوت ولا توقيّت النار بالسكوت... انما ذلك كله بالكلام ..
عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : (لا ينبغي للعالم ان يسكت على علمه، ولا ينبغي للجاهل ان يسكت على جهله).
ولا ريب ان الالتزام بالصمت في غاية الصعوبة ولكنه ليس مستحيلا ً ويمكن ذلك بتعويد النفس على التأمل قبل الكلام ، فقد يستغرق الامر ثانية واحدة يتساءل فيها الانسان مع نفسه بأن : ما سأقوله نافع لآخرتي أم لا ؟ وقد وضع لنا الامام امير المؤمنين (عليه السلام) طريقة تنفع في ذلك وفي الخطبة 176 في نهج البلاغة :
(وَاللَّهِ مَا أَرَى عَبْداً يَتَّقِي تَقْوَى تَنْفَعُهُ حَتَّى يَخْزُنَ لِسَانَهُ وَإِنَّ لِسَانَ الْمُؤْمِنِ مِنْ وَرَاءِ قَلْبِهِ وَإِنَّ قَلْبَ الْمُنَافِقِ مِنْ وَرَاءِ لِسَانِهِ لِأَنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِكَلَامٍ تَدَبَّرَهُ فِي نَفْسِهِ فَإِنْ كَانَ خَيْراً أَبْدَاهُ وَإِنْ كَانَ شَرّاً وَارَاهُ وَإِنَّ الْمُنَافِقَ يَتَكَلَّمُ بِمَا أَتَى عَلَى لِسَانِهِ لَا يَدْرِي مَا ذَا لَهُ وَمَا ذَا عَلَيْهِ وَلَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله لَا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ وَلَا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَلْقَى اللَّهَ تَعَالَى وَهُوَ نَقِيُّ الرَّاحَةِ مِنْ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَأَمْوَالِهِمْ سَلِيمُ اللِّسَانِ مِنْ أَعْرَاضِهِمْ فَلْيَفْعَلْ).
عنه (عليه السلام) : (لسان العاقل وراء قلبه، وقلب الاحمق وراء لسانه).
لأن المؤمن اذا اراد ان يتكلم بكلام تدبّره في نفسه فان كان خيراً أبداه وان كان شراً واراه.. وان المنافق يتكلم بما أتى على لسانه لا يدري ماذا له وماذا عليه..
(والتضرع اليه..)
هو الطلب المقترن بالمسكنة والذل واستشعار الفقر الى الله عزوجل – وحضور القلب- والامام الصادق (عليه السلام) يريد ان يربّي شيعته على تكريس هذه المشاعر في نفوسهم عند الدعاء الى الله تعالى فنحن نرى الانسان حينما تكون له حاجة مهمة عند شخص يحاول ان يقدّم طلبه بشكل فيه تذلل ومسكنة واستعطاف .. فكيف برب العالمين..
والتضرع عام يشمل طلب الحاجات والتوفيق للطاعات والقبول لها وحفظ النفس عن الحرام وطلب العافية وحسن الخاتمة ونحوها..
(والرغبة فيما عنده) مع الاتيان بما يوجب الوصول اليه لأن الرغبة في الشيء من غير الاتيان والتمسك باسبابه حماقة..
(من الخير الذي لا يقدر قدره ولا يبلغ كنهه أحد)
المراد بالخير نعيم الجنان وما فوقها وفيها ما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر واذا كان كذلك فكيف يستطيع احد ان يقدر قدره ويبين مقداره ويبلغ كنهه..
(فاشغلوا السنتكم بذلك)
وفيه اشارة الى كيفية ووجه الفرار من الكلام الباطل يجعل اللسان مشغولا ً بما ذكر دائماً او في اغلب الاوقات..
فينبغي للانسان ان يتدارك امره وقبل ان تصيبه الحسرة حيث ان الكثير يضيّع وقته في دار الدنيا ولا يستثمره في ذكر الله تعالى فضلا ً عما يعرض نفسه بسبب الحرام والباطل للمساءلة والمحاسبة..
(من مات عليها ولم يتب الى الله) توبة خالصة يوجب الخروج من تبعتها وعدم الرجوع اليها..
(ولم ينزِع عنها) فان التوبة بدون ذلك غير نافعة بل هي استهزاء وينبغي لمن ابتلي بالمعصية ان يتذكر الله تعالى وحسابه وعذابه وهول الآخرة والبرزخ ويتداركها بالتوبة ولا يؤخرها فان تأخيرها معصية اخرى..
واحسن التوبة توبة الشبان وهي تورث محبة الله تعالى واما توبة الشيوخ وهي وان كانت مقبولة ايضاً لكن بعد مقام التقصير .. وقد قيل ان الشيخ الهرم اذا تاب قالت له الملائكة الآن وقد خمدت حواسك وبردت أنفاسك..