2014-5-3
View :622




 



هوية الكاتب:



ولد عام 1967م بمدينة «مولاى إدريس» المغربية، وكان على المذهب المالكي، ولكنّ بحثه واستقصاءه عن الحقيقة دفعاه نحو الاستبصار واعتناق مذهب أهل البيت (عليهم السلام)، وقد ذاب بالتراث الشيعي وبحث في التاريخ حتّى أعلن تشيّعه وكتب الكثير من المؤلفات والمقالات التي يدافع فيها عن مذهب الشيعة الإمامية ويردّ عنه الأباطيل والأكاذيب..



 



أخطأَ ابن تيمية وأتباعه عندما قالوا بالتجسيم ورؤية الله (جلّ وعلا)، وقد ذهب أهل الحديث إلى التجسيم وأوردوا روايات اكتفوا بظاهرها واتبعهم في ذلك الأشاعرة فرأوا أن الله له يد حقيقة ووجه وعينان، وتعالى الله عن كل شيء.. وفي صفحة (حوار الكتب) سنكون بين يدي الكاتب المغربي المستبصر (إدريس الحسيني) وكتابه (لقد شيّعني الحسين)، الذي يتناول في أحد موضوعاته (الرؤية والتجسيم) ويعرض الكثير من الأدلة التي تثبت بطلان ادعاءات وأكاذيب ابن تيمية ومن لفّ لفه.



ويبين الحسيني في بداية حديثه عن الرؤية والتجسيم أن ابن حنبل وداود يروحون إلى التجسيم. ويصفه الزمخشري في الكشاف قائلا: فإن حنبليا قلت قالوا: بأنني ثقيل حلولي بغيض مجسم.



وكان ابن حنبل يرى أن لله يدا ووجها وعينا، ومثل ذلك ذكر مالك بن أنس، كما ذكروا أن لله جسما، وهو يجلس على العرش، وإنه يضع قدمه على جهنم حتى تقول قط قط وينزل إلى السماء الدنيا ويقول هل من تائب، هل من مستغفر وعلى هذا المذهب سار ابن تيمية في منهاج السنة، وأتباعه الوهابيون، بينما يقول الشيعة الإمامية في هذا الموضوع مثلاً ان الله (سبحانه وتعالى) يبعث ملكا ينادي ليلة الجمعة: هل من تائب، وهل من مستغفر.



وقد تطرّف الوهابيون كثيرا فرأى بعضهم جواز المصافحة عليه تعالى والعناق، وورد عن داود أنه قال: اعفوني عن الفرج، واللحية، واسألوني عما وراء ذلك وقال إن معبوده جسم ذو لحم، ودم وجوارح وإنه بكى على طوفان نوح حتى رمدت عيناه وعادته الملائكة (معاذ الله)، وقد أقرهم الأشاعرة على ذلك، واكتفوا بظاهر الآيات التي يبدو منها التجسيم، ورفضوا حملها على المجاز ومن ذلك قوله تعالى: (كل شئ هالك إلا وجهه)، (وقالت اليهود يد الله مغلولة، غلت أيديهم بل يداه مبسوطتان)، (وأن الله سميع بصير) وغيرها من الآيات التي يبدو في ظاهرها تجسيم الذات الإلهية.



والذين رفضوا تأويل هذه الآيات بالمجاز، سقطوا في مطبات من الاعتقاد الفاسد وأذكر قصة ذلك العالم الوهابي، عندما رفض التأويل بالمجاز وأبى إلا أن يحتفظ بالمفهوم الظاهري للآيات، قال له أحد الحاضرين إن الله يقول (من كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا). فيلزم أن لا تبصر في الآخرة وكان هذا العالم أعمى.



ونفس الاعتراض تجسده النكتة الكلامية أنه إذا اقتصرنا على الظاهر دون التأويل فماذا نقول في الآية (كل شئ هالك إلا وجهه) فإذا كان الوجه المعني هو الوجه، للزم أن يفنى كل جسده إلا وجهه! تعالى الله عما يصفون.



إن المجسمة هم أضعف مخلوقات الله على فهم العقائد وأي إله يعبد هؤلاء فيما لو جسدوه أمامهم، والغريب أن الأشاعرة راحوا وراءهم بغباء عقلي يندى له الجبين، فيما اتفق المعتزلة مع الشيعة الإمامية في تنزيه الله عن التجسيم. ولهم في ذلك أدلة عقلية وأخرى نقلية.



أما عقليا فإن التجسيم يترتب عليه التحديد والحصر والتركيب وكلها لا تجوز في حق الذات الإلهية عقلا ونصاً فالتجسيم يترتب على التحديد أي إن الجسم يتحدد بالطول والعرض والعمق فهو محدود ثم إن الجسم يقتضي أن يكون له بداية ونهاية تركيبية أي إنه مركب والمركب يتفاوت زمنيا وهو ما ينافي الوحدة والقدم الإلهيين هذا بالإضافة إلى أن المركب لا يكتمل إلا بأجزائه كلها، فهو محتاج إليها وفي حاجته إليها ينتفي كونه واجبا ويكون بالتالي ممكنا، وإذا كان الله تعالى بعد ذلك جسما كانت له جهة وهذا يدل على أنه غير موجود في جهة أخرى وأنه خاضع لحدود الحيز وهو من مخلوقاته فكيف يخضع الواجب الوجود إلى ممكنه!!.



أما نقليا فإن القرآن يناقض التصور التجسيمي، ويقول تعالى (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصيرٌ) (الحديد/4)، ولا يمكن للجسم إذا كان جسما أن يحل في أكثر من حيز.



ويقول تعالى: (ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم) (سورة البقرة الآية 115).



فلو كان كما تقدم لله جسم لاستحال تواجده في كل مكان وفي كل جهة، ذلك أن الجسم الواحد لا يتجاوز جهة واحدة وردا على من رأى الوجه في الآية حقيقيا لا مجازا أنه فرضا لو كان الوجه وجها حقيقيا، إذا لكان لله أكثر من وجه لأنه أينما كنتم فثم وجهه، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.



وردا على الذين ظنوا أن الله يسكن السماوات قال الإمام علي (عليه السلام)، بعد أن قال له السائل أين كان ربنا قبل أن يخلق السماوات والأرض؟  قال: أين؟، سؤال عن مكان، وكان الله ولا مكان.



وذكر البغدادي قال أمير المؤمنين علي (عليه السلام): إن الله تعالى خلق العرش إظهارا لقدرته، لا مكانا لذاته.



ولا يتردد عاقل في أن العقيدة السليمة التي تنزه الخالق وتجعل حقيقته منسجمة مع الوجدان هي عقيدة أهل البيت (عليهم السلام) في الإلهيات، وحيث إن الأشاعرة قالوا بالتجسيم تبعا لأهل الحديث والظاهرية فإنهم أثبتوا الرؤية، وحيث إن الشيعة والمعتزلة نفوا عنه التجسيم لزم أن ينفوا الرؤية؛ إذ أن الرؤية عقلا تستبطن التجسيم لأن الرؤية تشترط وجود المرئي في وجهة ما حتى تتحقق رؤيته وهذا يعني أن الله حال في حيز وقد سبق ضعف هذا الاعتقاد.



ثم إن عين الإنسان إذا رأت الله في مداه المجسم يعني أن رؤية المخلوق استطاعت احتواء جسم الخالق كله. وهذا مناف للاعتقاد السليم، واستند الأشاعرة وأهل الحديث على النص القرآني مكتفين بظاهره على عادتهم وهو: (وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ووجوه يومئذ باسرة، تظن أن يفعل بها فاقرة).



وقال أصحاب الرؤية، كما ذكر القوشجي في شرح التجريد: إن النظر هنا يعني الرؤية وليس الانتظار كما أوّل الشيعة والمعتزلة ذلك أن النظر إذا أريد به الانتظار يستعمل من دون صلة مثل قوله (انتظرت) أما لو أريد به الرؤية استعمل بصلة (إلى).



ولكن الإمام علياً (عليه السلام) يقول: لا تدركه الشواهد ولا تحويه المشاهد ولا تراه النواظر ولا تحجبه السواتر.